الأخبار

ليبيا: بعد انتصارات الوفاق..مرابضة على تخوم سرت..تدخل روسي ..وحراك سياسي مكثف: (تقرير معمّق)

تونس: جريدة الفجر

محمد ضيف الله

تعيش ليبيا هذه الأيام بين المعارك العسكرية التي هدأت بعض الشيء والحراك السياسي الذي يظهر على اشدّه خلال الساعات الاخيرة بعد انتصارات قوات الوفاق وطردها لقوات حفتر الى ما بعد ال400 كم شرق طرابلس.

وترابض قوات حكومة الوفاق على اطراف مدينة سرت، سعيا الى تحريرها وبسط السيطرة عليها، مواصلة لمسيرة انتصارات ميدانية كبيرة حققتها منذ ايام بدأت بغريان ثم بمدن الساحل الغربي الثمانية صرمان وصبراتة والعجيلات والجميل ورقدالين وزلطن ومليتة والعسة ثم الاصابعة وبدر وتيجي وكل مناطق الجبل الغربي وبعدها كل محاور جنوب طرابلس من صلاح الدين الى مطار طرابلس ووادي الربيع وقصر بن غشير، ليزحفوا بعدها مباشرة الى ترهونة التي لم تتطلب عملية تحريرها اكثر من ساعة حتى باتت تحت سيطرة الوفاق بعد ان فرت منها الميليشيات التي تم تعقبها ومنعها من التحصن ببني وليد التي تم تحريرها هي الاخرى في ظرف وجيز ودون اراقة دماء بعد ان هربت منها ميليشيات حفتر والمرتزقة باتجاه سرت والجفرة.

لم تتوقف قوات الوفاق بل واصلت معركة التحرير وبسهولة تامة مرت على ابو قرين والوشكة (بين طرابلس وسرت) وسيطرت عليهما دون اي قتال او مواجهة بعد فرار قوات حفتر منها، لتصل الى اطراف سرت اي الى حدود بوابة ال30 على تخوم المدينة حيث ترابض الى حدود اليوم.

مرابضة اجبرها عليها التدخل الروسي العسكري من خلال طائرات حربية قصفت قوات الوفاق في يوم هجومها الاول وخلفت اكثر من 60 قتيلا اغلبهم من ابناء مدينة مصراتة، مما اجبرهم على التراجع عن دخول مدينة سرت التي وصلتها تعزيزات كبيرة من قاعدة الجفرة لتحصينها ومنع الوفاق من دخولها.

لمحة عن مدينة سرت:

مدينة سرت هي مدينة ساحلية تقع في منتصف الساحل الليبي بين الغرب والشرق وتبعد عن العاصمة طرابلس 450 كلم شرقا، يسكنها اكثر من 80 الف نسمة وتعتبر من اهم معاقل انصار معمر القذافي الذي كان اخر تواجد له فيها وقتل وهو هارب على اطرافها في 20 أكتوبر 2011.

وبقيت موالية له واحدى اكبر بؤر مناصريه الذين كثيرا ما احدثوا فيها القلاقل. وفي اوخر 2014 وبداية 2015 كانت ملاذا لارهابيي تنظيم داعش الذين تجمعوا فيها واسسوا كيانا كبيرا حكمها بعد ان سيطروا واستولوا على كل المؤسسات فيها…ففر منها كل من استطاع من اهلها امام عربدة واجرام الدواعش.

وامام ذلك الوضع بسرت اعلنت حكومة الوفاق الليبية بقيادة فائز السراج في افريل وماي 2016 عن عملية “البنيان المرصوص” لتحرير سرت من داعش بمشاركة اغلب فصائل الثوار، وبدعم دولي سياسي وعسكري تمثل في غطاء جوي أميركي.

وبعد مواجهات شديدة وقتال ضار وبلاء حسن لقوات الوفاق تمكنوا من تحرير سرت والقضاء بشكل تام على الدواعش، حيث اعلن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج عن نهاية تنظيم داعش بسرت وتحرير المدينة بالكامل منه في 17 ديسمبر 2016.

وقد دفعت قوات الوفاق عددا كبيرا من الشهداء من ابنائها في تلك الحرب التي امتنع حفتر وميليشياته وواكليه ورفضوا المشاركة فيها او دعمها بل انه كلما وجد الفرصة لتعطيلها فعل وقد اثبتت الوقائع انه تعامل مع داعش في عديد المناسبات وسمح لهم بحرية التحرك والمرور واعترفوا ببعض من ذلك في كثير من التحقيقات مع عناصرهم.

ومن وقتها تمركزت قوة من الوفاق تسير وتشرف على امن سرت وهي تشكيل في اغلبه يتبع مصراتة الى ان تمكنت ميليشيات خليفة حفتر وبدعم وتنسيق من كتائب القذافي داخل المدينة من دخولها من محاور مختلفة في هجوم مباغت اضطرت على اثره قوات الوفاق على الانسحاب وذلك في 6 جانفي 2020 لتبقى تحت سيطرتهم الى حدود اليوم وهاهي قوات الوفاق على اطرافها ساعيا في اقتحامها وتحريرها من جديد.

تفاوض تركي روسي حول سرت

هناك تفاوض وتباحث تركي روسي حول سرت والجفرة وما بعدهما، فبعد الانتصارات والزحف المتسارع لقوات الوفاق نحو الوسط الليبي تفاجأت بالتدخل الروسي من خلال الطيران الذي اعترضها وقصف تجمعات كانت تتجه نحو وسط سرت واوقف تقدمها، مخلفا أكثر من 30 قتيلا في اليوم الاول ثم تواصل الاعتراض وارتفع عدد القتلى الى اكثر من 60 .

تدخل روسي على اطراف سرت يبدو انه مبرمج قبلا، حيث أنه تم قبل ايام حسب “الافريكوم” استقدام 19 طائرة روسية خرجت من قاعدة بروسيا في اتجاه قاعدة على الاراضي السورية اين تمّ طلائها وتغيير ملامحها ثم الى قاعدة مصرية فالى قاعدة الجفرة الليبية والتي تم ايضا سحب مرتزقة الفاغنر من جنوب طرابلس وترهونة وغيرها من المحاور في الغرب اللليبي اليها والتحصن فيها والتجييش لحمايتها وحماية مدينة الجفرة وربما سرت قبلهما.

ويبدو ان روسيا ارادت ان تقول لتركيبا ولحكومة الوفاق ان سرت والجفرة خط احمر ولا يجب التقدم باتجههما اكثر.

ففي الجفرة قاعدة عسكرية هي ثاني اكبر قاعدة في ليبيا وما بعد سرت حقول نفطية مهمة وموسعة في البريقة وراس لانوف والسدرةو والظهرة وغيرهم ولا يجب ان تتمكن حكومة الوفاق من بسط السيطرة المطلقة عليهم حسب واكلي حفتر كروسيا والامارات ومصر خاصة.

فالمتأمل للمشهد والعارف به يرى ان اللعبة باتت تدار بين تركيا وروسيا، تركيا التي كان تدخلها حاسما وقلب موازين المعركة وحول قوات الوفاق من وضعية الدفاع الى وضعية الهجوم بعد ان وفرت لها غطاء جوّيا مهما من خلال الطيران الحربي والطيران المسير خاصة البيريقدار والعنقاء، فمكنها ذلك من تحرير كل الغرب والى حدود 400 كم عن العاصمة طرابلس….وروسيا التي تدخلت على اطراف سرت لانقاذ ما بقي من مشروع حفتر بعد الهزائم المتتابعة.

ويبدو ايضا ان الطرفان يرغبان في ايقاف المعارك العسكرية الى حدود هنا وفتح باب الحوار السياسي وهذا اتضح من خلال مبادرة مصرية وراءها روسيا جمعت فيها السيسي الذي اعلنها وحفتر وعقيلة صالح لشرعنتها وسميت باعلان القاهرة او المبادرة المصرية.

المبادرة المصرية:

مبادرة مصرية روسية امارتية تهدف الى انقاذ مشروع حفتر وتمكينه من بعض النقاط في ظل الهزائم الحاصلة، مبادرة حركوا لها مناخا دبلوماسيا واشتغلوا على توفير الدعم لها من مختلف الاطراف حتى يكسبوها شرعية وقابلية.

مبادرة اعلن فيها السيسي في محاولة لانقاذ حفتر وما بقي من مشروعه الذي دعّمه ومده بكل شيء حتى يحكم ليبيا كما يحكم هو مصر لكنه فشل وتكبد هزيمة نكراء على ايدي قوات الوفاق، اعلن فيها على ضرورة وقف اطلاق النار وتسليم مكونات قوات الوفاق لسلاحهم.

وقال السيسي انه دعا عقيلة صالح وخليفة حفتر الى القاهرة للتشاور حول الاوضاع في ليبيا وانه يطلق مبادرة ليبية بموافقتهما لحل الازمة، مضيفا:تواصلنا لاطلاق اعلان القاهرة ومبادرة ليبية ليبية واخراج المرتزقة وتفكيك المليشيات.
كما قال: ندعو الى حل الازمة الليبية من خلال مسارات متوازية سياسيا واقتصاديا وامنيا من خلال هذه المبادرة التيتهدف الى تشكيل مجلس رئاسي جديد بتمثيل عادل للاقاليم، مشددا على انها تتضمن اعلانا دستوريا.

مبادرة رفضتها حكومة الوفاق ورئيس المجلس الاعلى للدولة الليبية خالد المشري وقال انها انقلاب على الشرعية وانه لن يكون لخليفة حفتر اي وجود في اي حوار وتفاوض ليبي قادم.
في حين أكد نائب رئيس المجلس الرئاسي احمد معيتيق التزام حكومة الوفاق الوطني بمخرجات مؤتمر برلين من خلال الحوار مع شركاء حقيقيين يؤمنون بقيام الدولة المدنية وليس عسكرتها.

كما اختلفت ردود الافعال حول هذه المبادرة من قبل مختلف الاطراف الدولية بين رافض ومبارك ومرحب وداع الى مزيد تحسينها وتعديلها.

فان تبنتها روسيا ورفضتها تركيا فان الولايات المتحدة عبرت عن مراوحة بين هذا الموقف وذاك ومن التصريحات حولها قال مساعد وزير شؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر؛ إن المبادرة المصرية بشأن الأزمة في ليبيا تحتوي على أجزاء مفيدة، غير أن العملية التي تقودها الأمم المتحدة، هي أكثر نجاعة وتضمن لجيمع الأطراف الانخراط وإحراز تقدمات في ملف وقف إطلاق النار.

وأكدت المانيا من خلال سفيرها لدى ليبيا اوليفر أوفتشا خلال لقاء له بنائب السراج احمد معيتيق حرصها على تنفيذ مخرجات مؤتمر برلين بمساراته العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية من أجل تحقيق الاستقرار في ليبيا.

تأمين خط طرابلس سبها

تمكنت حكومة الوفاق من تأمين والسيطرة على خط مهم واستراتيجي وهو خط طرابلس سبها الموازي لخط طرابلس سرت الجفرة ثم الجنوب (الذي تؤمنه الوفاق الى حدود 30 كم على سرت)

وأعلنت عملية بركان الغضب اول امس عن سيطرة قوات حكومة الوفاق الوطني على خط إمداد رئيسي بطول 350 كيلو مترا، يقع بين جنوب وغرب ليبيا وإحكامها السيطرة على هذا الخط الذي كان يمثل إمدادا رئيسيا لقوات خليفة حفتر عند تواجدها في الغرب اي ترهونة والوطية والاصابعة وغيرهم.

وهذا الطريق يؤدي من مدينة الشويرف شمالي مدينة سبها إلى الشمال، حيث يتفرع في ثلاثة اتجاهات نحو مدن نسمة والقريات ومرسيط جنوبي العاصمة طرابلس.

سيطرة مهمة تجعل مناطق الغرب أكثر تأمينا من اي هجوم ثان محتمل كالذي حصل في افريل 2019.

مخلفات قوات حفتر: مقابر جماعية وتلغيم منازل مدنية

المقابر الجماعية

اكتشفت قوات حكومة الوفاق مقابرا جماعية في مدينة ترهونة بعد تحريرها من مليشيات حفتر، بلغ عددها قرابة ال10، حيث قامت هذه المليشيات بدفن المئات من الضحايا تحت الأرض وداخل آبار المياه وفي الحاويات والثلاجات وغيرها حسب ما اكدته حكومة الوفاق.

حيث تم العثور على قرابة 100 جثة متعفنة بمستشفى ترهونة الى جانب كشف حاوية قرب منطقة قصر بن غشير مليئة بالجثث المحروقة و مقبرة جماعية تضم رفات ما لايقل عن 10 جثث في مزرعة عائلة “هرودة” داخل ترهونة.

مقابر جماعية وجثث تركت صدمة كبيرة بين الليبيين وادانتها مختلف الاطراف الداخلية والدولية.

وعبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها الشديد إزاء ما سمته التقارير المروعة، عن اكتشاف 08 مقابر جماعية على الأقل خلال الأيام الماضية، معظمها داخل مدينة ترهونة.

كما أكدت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا في تغريدة لها عبر تويتر دعمها للجهود التي تبذلها حكومة الوفاق الوطني والهيئات الدولية للتحقيق في هذه الانتهاكات التي لا تطاق، وفق وصفها؛ مطالبة بتقديم الجناة إلى العدالة.

تلغيم منازل الموطنين

بعد التسليم بالهزيمة وقبل الفرار من اي محور لجأت مليشيات خليفة حفتر إلى تفخيخ منازل الموطنين بالمتفجرات، حيث اكدت التقارير زرعها آلاف المتفجرات داخل منازل جنوبي العاصمة طرابلس قبل انسحابها منها، ما سبّب مقتل العديد من المدنيين وهذا الاسلوب اعتمدته قبلا عناصر داعش.

وامام خطورة هذا الوضع طلبت حكومة الوفاق من المتساكنين عدم العودة الى منازلهم الا بعد ان يتم نزع تلك الالغام، حيث انتشرت عناصر مختصة في ذلك منذ ايام.

كما ان تركيا وفي اطار مذكرة التفاهم الامني بينها وبين ليبيا الموقعة في نوفمبر الماضي ارسلت فرقا مختصة من قواتها المسلحة للمساعدة في نزع هذه الالغام…ووصلت هذه الفرق امس الخميس وباشرت عملها.

أفق المشهد الحالي في ليبيا

يبدو من خلال قراءة للمشهد الحالي أن اغلب الاطراف بدأت تتجه الى تغليب الحوار السياسي على لغة الحرب وقوة السلاح، يقينا من الجميع ان الحسم العسكري غير ممكن لاي الطرفين وان الحل في ليبيا لن يكون الا سياسيا.

حراك سياسي واتصالات بين مختلف الاطراف المتدخلة في ظل الهدوء الحذر الذي يخيم على ساحات المعارك التي بقيت الان فقط على اطراف سرت وبعض المواقع النفطية…حراك تقوده روسيا وبدعم من الامارات ومصر والسعودية وفرنسا الساعين الى انقاذ ما بقي من مشروع حفتر من جهة وتركيا وبدعم امريكي -وان ليس مطلقا- مع ميل الماني وبعض الاطراف الاخرى الذين يرغبون في الانطلاق من اتفاق الصخيرات واعتماد مخرجات برلين، من جهة اخرى، في حين يرى الشق الاول ويراهن على ما سمي باعلان القاهرة الذي يهدف الى ابقاء حفتر في المشهد وبشكل قوي.

حراك سياسي نجح في اعادة لجنة 5زائد5 المنبثقة عن مؤتمر برلين الى طاولة الحوار تدريجيا من اجل تركيز اطلاق النار وفتح المجال للحوار السياسي وجلوس الفرقاء الى طاولة التفاوض الليبي الليبي برعاية اممية.

لكن اهم نقاط الاختلاف بين الفريقين هي نقطة خليفة بلقاسم حفتر، حيث تصر حكومة الوفاق وداعميها على ضرورة ابعاده نهائيا وتتمسك برفض الحوار والجلوس معه، معتبرة اياه “مجرم حرب” وستتبعه قضائيا على ما اقترفه في حق الليبيين.

في حين ترى الاطراف الاخرى وعلى رأسهم روسيا ومصر والامارات ضرورة بقاء حفتر في المشهد وتمكينه من دور ومكانة في اي حوار وتفاوض.

يبقى حفتر ام لا يبقى في المشهد هذا ما ستكشفه الايام القليلة القادمة، فأمام التفاوض الذي هو على اشده خاصة بين تركيا وروسيا يمكن ان يكون الاحتمالان ممكنين، فقد تبقي عليه بعض الورقات المهمة داخل المشهد وان بدور ثانوي، كما انه من الوارد ان تستغني عنه القوى الداعمة له واستبداله بعقيلة صالح او اي اسم اخر بما انه لم ينجح في ما اوهمهم به ووعد بتنفيذه اي افتكاك الحكم والسيطرة على طرابلس على الشاكلة السيسية المصرية.

Tags

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Fermer

Adblock détecté

S'il vous plaît envisager de nous soutenir en désactivant votre bloqueur de publicité