الأخبار

واقعة البرلمان..ليلة الوجوه المخَدّشة ..بقلم بحري العرفاوي

لمعركة البارحة بُعدان، بعدٌ في الشكل وبعد في المضمون، وهما بُعدان متداخلان.
1ـ في الشكل: هل كانت عبير موسى القادمة من تخوم “الديقاج” وعنوان “الأزلام” ومدرسة “المخلوع” والتي خاضت حملتها الانتخابية على وقع التقريع والترذيل والسخرية، هل كانت تحلم بأن تكون ذات كتلة وازنة في البرلمان؟ وهل كانت تحلم بأن تكون ذات يوم صانعةً لحدث برلماني كبير يراقبه العالم ويُتابعه التونسيون؟
تحديد مكتب المجلس موعد للنظر في عريضة عبير موسي ولعقد جلسة حوار حول الدبلوماسية البرلمانية ، هو بحدّ ذاته اختراقٌ كبيرٌ للمناطق المحظورة على “الأزلام” في برلمان يريدُ أن يكون ثوريا ومنتصرا للقيم التحررية الجديدة.
أما أن تحصل عريضة عبير على 94 صوت مساند مقابل 68 معترض فهذا أيضا ليس أمرا هينا حين نعلم أن كتلتها ليست إلا 16 نائبا.
ما تلقته عبير موسي من وصْمٍ وتجريم وتذكير بماضيها لم يعد يفتّ في عضدها، لقد استشرست حتى صارت كما لو أنها تخلع جلد الأنثى الناعم لتلتحف ـ هي الأخرى ـ جلد تمساح(ة).
قاموس الخطاب ومنسوب الحماسة ومستوى الفوضى مثلت كلها دليلا على كوننا لم نكن بصدد مناقشة وجهات نظر وإنما كنا بصدد معركة كسر عظام وتخديش وجوه وإعادة انتشار سياسي وحزبي.
جلسة الأربعاء التي امتدت لتطل على فجر الخميس لم تكن جلسة عادية بكل المقاييس ونتائجها يجب أن يقف عليها السياسيون بموضوعية وعقل بارد بعيدا عن العواطف والأحكام المزاجية.
2 في المضمون:
لا خلاف على أن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول هو مبدأ يتفق عليه الجميع في المطلق، ويمكنهم مناقشة تفاصيله في علاقة بالأمن الوطني والمصلحة المؤكدة لشعبنا حين تكون ثمة تهديدات حقيقية على حدودنا من قِبل أحد الأطراف المتصارعة وحين يكون ذاك الطرف مرتبطا بمحور يعادي خيارنا الوطني ومسارنا الديمقراطي ومنهجنا في التوافق والإصلاح وجهدنا في التنمية والتحرر الوطني.
كيفياتُ ذلك وطرائقه يمكن أن يكون محل نقاش أيضا حين نعرض مواقف رئاسة الجمهورية ومواقف رئيس البرلمان ورئاسة الحكومة لا فقط لمقارنة التزام الصلاحيات وإنما وأساسا للبحث عن أكثر السبل مرونة لتحقيق التعاون والتكامل ولاستجماع كل القُدرات من أجل تحقيق الأهداف الكبرى.
عريضة عدم التدخل وجلسة محاورة رئيس البرلمان حول الدبلوماسية البرلمانية ليسا موضوعين منفصلين إنما هما وضعيتان متداخلتان في علاقة بالغنوشي تحديدا باعتباره رئيس حركة النهضة لا باعتباره رئيس برلمان، وباعتباره منافسا سياسيا لا باعتبارها مزاحما في صلاحيات غيره.
كان يمكن معالجة المسألتين بهدوء وتحت قبة البرلمان بعيدا عن محاولات تحريك الشارع وبعيدا عن رفع شعارات التخوين والترذيل ودون دعوات إلى حل البرلمان أو سحب الثقة من رئيسه.
هناك عملية إخفاء نوايا وراء شعارات تبدو معقولة ومنطقية.
= قراءة في النتائج:
ـ إذا اعتبرنا أن هدف عبير موسي كان “إسقاط” راشد الغنوشي كرئيس للبرلمان فيمكن لأصحاب هذا القول أن يستنتجوا بان عبير فشلت بعد أن بلغت محاولاتها الذروة ولم يعد لها ما تفعل أكثر مما فعلت وأكثر مما تلقته من دعم داخلي وخارجي.
غير أن استنتاجا آخر يمكن أن يكون معقولا، وهو أن عبير استطاعت أن تنال “شرفَ” قيادة معركة “تهشيم الصورة” مع الغنوشي كأبرز زعيم سياسي في تونس وفي المنطقة العربية بكاملها، استطاعت أن تقف معه “وجها لوجه” وأن تفرض حالة “اصطفاف” اضطراري في البرلمان، وهذا مبلغ ليس هيّنا ولم يبلغه قبلها إلا الباجي رحمه الله.
ـ “النيل” من مكانة الغنوشي وحضوريته وأمام رأي عام محلي وعالمي ، سيقرؤه متابعون على أن الرجل يدفع من حسابه الخاص ثمن التجربة الديمقراطية، وسيقول آخرون ـ وقد قيل ـ أنه يخسر بوضع نفسه في مواضع الصغار.
ـ التصويت على العريضة كشف عن حقائق عديدة أهمها:
ـ أن بعض منافسي حركة النهضة لا يقبلون بمنافستها بآليات ديمقراطية إلا اضطرارا، وأنهم يوم تتاح لهم فرصة الإجهاز عليها فلن يترددوا في التحالف مع أعدائها.
ـ أن الخدوشَ النفسية التي تخلفها المعارك الصغرى لا يُمكن أن تتأخر عن الانتقام في أول فرصة ، وهو الحال مع حركة الشعب بعد “سجال” سابق كنت رأيته عبثيا.
ـ أن الائتلاف الحكومي لم يكن مبدئيا بقدر ما كان اضطراريا بل ومغشوشا، وأن نتائج التصويت ستزيده ضَعفا وبرودا وتوجسا بل قد ينتهي إلى انهيار الحكومة قريبا خاصة إذا “اقتنصَ” الفرصة لاعبون في المشهد يريدون أن يكونوا كبارا ويجدون أن النهضة تحجب عنهم طموحاتهم.
ـ حركة النهضة مدعوة لتذكّر ما قاله لها ذات يوم الدكتور سالم الأبيض وهو يُقسم “حركة النهضة لن تجد مستقبلا من يتحالف معها”.
ـ أن صورة البرلمان البارحة بدت غير جيدة ولكنها ستظل أفضل ونحن نمارس الديمقراطية في أعلى سقوفها دون خشية من تبعات موقف أو رأي ، النقائص الأخلاقية يمكن تداركها.
ـ أردد دائما: السياسة ليس في قول ما نشتهي بل في التفاعل ما تقوله الوقائع ويعرضه الواقع، السياسة هي الحذر الدائم من السقوط خاصة حين نكون مجبرين على الحركة فوق منزلق طيني.

Tags

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Fermer

Adblock détecté

S'il vous plaît envisager de nous soutenir en désactivant votre bloqueur de publicité