وطنية

مرض الحمى الموسميّة للرّغبة في تغيير النظام السياسي في تونس.. المتكرّر في كلّ موسم سياسيّ بعد هزيمة الإنتخابات..!!

ميديا بلوس-تونس- كلّما فشلت مجموعات سياسيّة معيّنة في الانتخابات.. وأفرز صندوق الاقتراع تشكيلة سياسيّة أخرى..

كلّما طلعت قوى مختلفة بدعوات لإعادة رسم المشهد السياسي.. بتعلاّت مبتكرة.. تتغيّر بتغيّر الظروف والأحداث والشخصيّات.. ولكنّها تتشابه في الأسلوب والطريقة والوسائل والأهداف..!!!

بعد إنتخابات 2011..
رأينا دعوات إسقاط حكومة الترويكا وقد انطلقت بعد شهرين فقط من تكوينها..
مرّة بحجّة الخوف على مدنيّة الدولة..!!
ومرّة بحجّة الخوف من أسلمة الدولة أو أخونة الدولة أو الإرهاب..!!
ومرّة بحجّة الفشل..!!
ومرّة بحجّة نهاية فترة المجلس التأسيسي..!!
ومرّة بحجّة العجز عن كتابة الدستور..!!
ومرّة بحجّة تغيّر إرادة الشعب وضرورة الإستجابة لندائه..!!
وكلّ شهر بحجّة جديدة مُبْتدَعَةً..!!

ثمّ وعندما فشلت جميع المساعي والمحاولات والمؤامرات.. ورفض الشعب والأمن والجيش الفوضى ودعوات تغيير النظام بالقوّة.. جاءت أخيرا العمليّات الإرهابيّة والاغتيالات السياسيّة.. ففرضت على من في السلطة مغادرتها حقنا للدّماء..!!!

بعد إنتخابات 2014..
وبرغم أنّ الفائز في الانتخابات هو الباجي قايد السّبسي وحزبه نداء تونس.. المرتبطين بالنظام القديم.. وبالدولة العميقة.. وبالكثير من القوى الأجنبيّة المتنفّذة في تونس..
فقد تعالت الأصوات أيضا.. وسريعا.. لتغيير النظام السياسي.. بتعلّة أنّ النظام البرلماني يعطّل سير دواليب الدولة والحكم والإصلاحات.. وتمّت الدعوة إلى تنقيح الدستور لإقرار نظام رئاسي..!!
كان الغرض الحقيقي من ذلك هو الالتفاف على حركة النهضة القويّة بالبرلمان حينها.. باعتبارها الكتلة الثانية.. ومحاولة دفع الرئيس الرّاحل السّبسي إلى التخلّي عن ما عرف بـ”سياسة التوافق” مع النهضة.. وطردها من الحكومة.. والإنقلاب عليها ومطاردتها.. وذلك بمجرّد حصوله على الصلاحيّات التي يحتاجها بحكم تغيير النظام إلى رئاسي وفق ما خطّطوا له.. واستغنائه بالتالي عن الحاجة إلى التوافق مع النهضة..!!

لكنّ السبسي.. وأيّا كانت دوافعه الظاهرة أو الخفيّة لذلك.. فقد رفض في النهاية ذلك السيناريو.. ورفض دعوات الإنقلاب على الصندوق وتغيير النظام السياسي..!!

اليوم.. وبعد نصف سنة من الإنتخابات الأخيرة لسنة 2019.. وبعد أقلّ من ثلاثة أشهر من استلام الحكومة الجديدة للحكم.. فقد عادت الأصوات لترتفع بنفس النغمة.. لا بنقد الحكومة أو طلب تغييرها.. وإنّما بطلب تغيير النظام السياسي برمتّه..!!
كانت المحاولات الأولى للالتفاف على نتائج الإنتخابات التشريعيّة والرئاسيّة لسنة 2019.. جرت بمحاولة إستقطاب رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد نفسه..!!
ثمّ باستبعاد حركة النهضة صاحبة المرتبة الأولى من الحكم..!!
وبعدها جرت بدفع رئيس الجمهوريّة (قيس سعيّد) ورئيس الحكومة (إلياس الفخفاخ).. المكلّف من قبله (بطريقة مسقطة وغامضة).. لخلاف وصراع مع الحزب الثاني (قلب تونس).. ثمّ مع الحزب الأوّل نفسه (حركة النهضة)..!!
وذلك من أجل عزل جميع القوى السياسيّة الكبرى عن بعضها البعض.. وإستنزافها في صراع شرس بينها.. يضعفها جميعا.. ويعطي فرصة لقوى سياسيّة أخرى للسيطرة على الحكم ولو من وراء الستار..!!

وعندما فشلت تلك المحاولات.. أو لم تضمن إمكانيّة السيطرة الكاملة على مختلف أقطاب السلطة في تونس.. وضمان الحكم ولو بطرق غير مباشرة بأيدي آخرين.. ارتفعت كالعادة.. حرارة الحمى الموسميّة المعتادة لكلّ موسم سياسي بالدعوة إلى تغيير النظام السياسي في تونس وتنقيح الدستور..!!

الرغبات هنا تتلاقى بين الفرقاء السياسيّين في الدعوة إلى تغيير النظام.. ولكنّها تتناقض في المرجعيّة والطرق والأهداف.. وفي شكل النظام الجديد المزعوم المقترح ..!!
البعض يريد تطبيق نظريّة الرئيس قيس سعيّد في الحكم المحلّي ونظام سحب الوكالة وتغيير بنية البرلمان.. وإعطاء رئيس الجمهوريّة صلاحيّات أكبر.. أي الاتّجاه إلى نظام رئاسيّ على المستوى المركزي.. ونظام حكم محلّي على المستوى الجهوي.. دون أيّ شرح أو تفاصيل أو توضيحات لأسس تلك النظريّة.. والشكل الكامل للحكم فيها.. وقواعدها..!!

والبعض الآخر في شقوق مقابلة.. لا يهمّه كلّ ذلك.. وتتناقض دعواته مع أيّ توجّه سياسي واضح وملموس.. وإنّما يكتفي بإعلان الرغبة في إسقاط النظام بالطبقة التي تحكم اليوم.. وتغيير النظام البرلماني.. وكلّ يغنيّ على ليلاه في تحديد ما هو مطلوب بعد ذلك..!!

بما يعكس بأنّ الكثير من تلك الدعوات لا تهدف في الواقع إلى أيّ إصلاح أو بديل سياسيّ جدّي ومدروس..!!
وإنّما ترمي فقط أمّا إلى الإطاحة بقوى سياسيّة موجودة في الحكم اليوم..!!
أو تهدف إلى الإطاحة بالنّظام أوّلا.. ثمّ إغراق البلاد في الفوضى ثانيا..!!

وهو ما يفتح الباب على سيناريوهات متعدّدة.. وخطيرة..!!

هذه الدعوات هي في الحقيقة مثل أعراض الحمى الموسميّة.. تأتي من موسم سياسي إلى آخر.. وعادة بعد كلّ عمليّة إنتخابيّة لم تحقّق للقوى السياسيّة الظاهرة والخفيّة.. وللوبيّات داخل وخارج تونس.. مصالحها.. عبر تركيز أياديها وعناصرها وحلفائها في الحكم.. فترغب في قلب الطاولة على الجميع.. وإعادة توزيع الأوراق من جديد قبل اكتمال اللّعبة (المدّة الإنتخابيّة).. علّها تستطيع أن تجد لها موطئ قدم في السّلطة والحكم الآن عاجلا وفورا.. دون الانتظار لخمس سنوات كاملة حتّى موعد الإنتخابات القادمة..!!!

أو تهدف في الحدّ الأدنى.. وعلى الأقلّ.. إلى الإطاحة بمنافسيهم وبالقوى السياسيّة التي يعادونها ويرفضونها.. سواء لأسباب سياسيّة أو إيديولوجيّة أو مصلحيّة.. أو لأسباب أخرى مجهولة..!!

من لديه مشروع سياسيّ واضح لتغيير النظام السياسي.. عليه أوّلا أن يضعه على الطاولة..
وأن يقدّم رؤيته كاملة للشعب الذي يزعم أنّه يدعوه إلى الثّورة..!!
ويجب أن يكون مشروع التغيير السياسي.. والنظام السياسي الجديد المقترح من قبلهم.. مبيّنا ومقدّما بجميع تفاصيله.. بما في ذلك مشروع أو مسودّة نصوص ذلك النظام وقواعده.. حتّى يمكن مناقشته.. وتقييم جديّته وواقعيّته.. وإمكانيّة تنفيذه وتطبيقه أصلا.. والحكم له أو عليه.. علّه يقنع الطبقة الحاكمة.. أو إن تعذّر ذلك فإقناع غالبيّة عامّة الشعب..!!
ونتحدّث هنا عن غالبيّة حسابيّة.. وليس أقليّة مهما كبرت..!!

أمّا الدعوة لإسقاط النظام السياسيّ القائم اليوم.. وذلك أوّلا.. ثمّ يقع التفكير لاحقا في كيفيّة تغييره.. وبما سيقع إقراره بدلا عنه.. وذلك بتعلّة فشله.. وضرورة تغييره ثمّ التفكير في النظام السياسي الجديد لاحقا.. فهو محض هراء.. ولا يعكس نوايا طيبّة أو إصلاحيّة.. وإنّما يعكس نوايا فوضويّة وتدميريّة للتجربة الديمقراطيّة التونسيّة..!!

الأصل أن تدعو الناس إلى تغيير نظام سياسي معيّن.. وأن تشرح أسباب ذلك.. ومواطن الضعف والخلل والعيوب فيه..

وأن تدعو في المقابل إلى تبنّي نظام سياسي جديد معروف وواضح ومعلنا مسبقا.. تبيّن مواطن قوّته وإيجابيّاته ومزاياه.. وقدرته على الإستمرار وتحقيق نتائج أفضل للبلاد والعباد من النظام السياسي المنتقد السّابق..!!

اعطونا مسبقا برنامجكم للنظام السياسي الجديد المزعوم..

“قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ”..!!!

اظهر المزيد

Tags

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Fermer

Adblock détecté

S'il vous plaît envisager de nous soutenir en désactivant votre bloqueur de publicité