وطنية

أسواق النساء بالريف: “التلاثا د النسا” بأگني بني بوفراح بالحسيمة نموذجا

تعني الأسواق النسائية بمنطقة الريف الملتقيات التي تنظم أسبوعيا في أماكن محددة، يلتقي فيها العنصر النسوي ليزاول نشاطاته المختلفة بشكل تلقائي حيث يمنع على الرجال الدخول إليها ما عدا الأطفال دون سن العاشرة.

وبالاعتماد على المراجع المتوفرة، نجد تضاربا بين الباحثين الذين تعرضوا للظاهرة. فالكاتب الإسباني “إميلو بلانكو إزاكا” في كتابه ” القانون الريفي” يؤكد بأن أسواق النساء : “…لا زالت تعقد في نفس الأماكن والأيام الأسبوعية منذ مئات السنين”. بينما الأنتروبولوجي الأمريكي “دافيد منتغمري هارت” يقول : “من المحتمل أن تكون مؤسسة سوق النساء قد وجدت فعلا منذ مدة طويلة غير أننا لا نستطيع الجزم بأقدميتها ألاف السنين كما يذهب إلى ذلك بلانكو”.

بينما حاول ذ. عبد الحميد الرايس ان يقارب هذه الظاهرة استنادا إلى وثيقتين. الأولى عبارة عن عقد مكتوب يعود تاريخه إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبالضبط إلى سنة 1319هـ (1901م) وردت فيه إشارة غير مباشرة إلى سوق النساء. فقد جاء فيه : “الحمد لله اشترى المكرم زيان بن اشعيب بن محمد المدعو بوزخت الريفي البقيوي في صفقة واحدة وعقد واحد من البائع له أولاد المكرم محمد بن حم بن حيحذ… ونصيبهم المنجز لهم إرثا الكائن لهم الأرض البيضا ناقية للحرث… في موضع المسمى عندهم يقال له أكلمام يزيض بلوغة البالد المعلومة لهم والمنسوبة إليهم المجاورة وبتحديدها وبالموضع سوق النساء… في آخر شهر الله ربيع الثاني عام تاسع عشر وثلاث ماية وألف

والثانية، ونظرا لذيوعها فإنها تستلزم التوقف أكثر، فهي عبارة عن وثيقة شفوية وردت أحداثها بروايتين:
الأولى : يورد هارت في كتابه السالف الذكر، وفي سياق حديثه عن الأحداث التي ارتبطت بسوق النساء ما يلي : “… قرر الأعيان (إمغارن) في إحدى الاجتماعات أن لا يسمح لأية امرأة من آيث ورياغل الذهاب إلى سوق “الحد” الخاصة بالنساء الموجودة بقبيلة تمسامان المجاورة.

الرواية الثانية تقول : “دعا الشريف سيدي مسعود حفيد سيدي محند أموسى مجموعة من أعيان (إمغارن) آيث يوسف وعلي إلى إقامة سوق خاصة بالنساء تعقد بشكل أسبوعي تكون ملتقى لهن لاقتناء حاجياتهن في إطار من الحرية، وبعيدا عن الحرج والاختلاط بالرجال.

كمثيلاتها بالمنطقة فإن تاريخ سوق النساء بدوار أكني ببني بوفراح, أو “تلاتا د نسا” تتضارب فيه الآراء حسب الشهادات الشفوية لأهل المنطقة و لكن لا أحد أكد تاريخ إنشائه.

حسب الروايات الشفوية فإن سوق ثلاثاء أكني أُسس بمرحلة الريفوبليك أي ما قبل الحماية حيث كانت التصفيات الدموية والثأر سائدان بالمنطقة وتخوف الرجال للخروج والتسوق, إثرها أتت فكرة تأسيس هذه الأسواق إن لم نقل أنها فُرضت على الساكنة وبشكل تدريجي, وذلك لإسناد النساء مهمة البيع والشراء والمحافضة على السيرورة الاقتصادية. في هذا الإطار فسر الباحث دافيد هارت بكتابه “أيت ورياغل، قبيلة من الريف المغربي” المشار إليه أعلاه بأن الأسواق النسائية بالريف يرجع سبب تأسيسها إلى الإنفصال الشديد بين الجنسين وذلك لأسباب دينية واجتماعية, وحسب ما ذكر في كتاب “الريف قبل الحماية” لصاحبه ذ عبد الرحمان الطيبي, فقد رآى الباحث بأن الدافع لإحداث هذه الأسواق هو فائض النساء الذي كان في الماضي مما أدى بهن إلى المشاركة في التجارة والحياة الاقتصادية, أما الباحث روبرت فورنو فقد رجح نفس السبب الذي سجلناه انطلاقا من الرواية الشفوية وراء تأسيس هذا السوق النسائي.

و ما يروي أهل المنطقة ان سوق تلاتا د النسا كان يتواجد بالبداية بقرب ضريح الولي الصالح “سيدي عبد الله اوشعيب”، ليتحول بعد ذلك إلى مكان وجود المدرسة حاليا, قبل أن يحول من جديد ونهائيا إلى الجهة المقابلة وذلك في عهد الحماية إثر بناء المدرسة ما بين 1946 و 1948 .

شُيد سور السوق بمرحلة السبعينات بواسطة اليد العاملة المحلية التي كانت تعمل مقابل مواد استهلاكية لمساعدات دول أجنبية كالزيت والدقيق إثر مبادرة ما سمي بالتعاون الوطني. تم ترميم السوق من طرف جمعية إسبانية ” MPDL حركة من أجل السلام والتنمية “, في سنة ;2010-2011 وذلك لما ارتأته من أهمية للسوق, ومحاولة تحديثه واستغلاله من جديد حيث بنت بجانبه مقرا لتعاونية نسائية للخياطة وصنع مستخلصات الصبار من مربى و زيت.

سوق أكني كانت تراوده النساء المسنات والأرامل والعازبات و الأطفال و خصوصا تلاميذ مدرسة أكني الإبتدائية و كان يسمح بدخوله للأطفال الذكور غير البالغين كباقي أسواق النساء بالريف. و كانت تحجه النساء من دواوير مختلفة من داخل المنطقة وحتى نساء الدواوير المجاورة والتابعة لبني جميل وبني يطفث, قصد عملية البيع أو شراء مواد تختص بها بني بوفراح كالأواني الخزفية لدوار بني بوكمات مثلا.

لعب سوق “تلاتا د نسا” أدوارا اجتماعية عبر الزمن, فقد كان بمثابة رفع الحصار عن المرأة وإعطائها نوع من الحرية الاجتماعية شريطة عدم الاختلاط بالرجال, كما سهل السوق عملية الزواج واختيار العرائس من طرف الأمهات, إضافة إلى التبادل التجاري والرواج الاقتصادي ولو بنسبة معينة, رغم محدودية السلع التي تمثلت في منتوجات الصناعة التقليدية وبعض الخضروات, وحلي التجميل كالطفرة والمشمار والسواك والكحل وغيرها. يذكر أيضا أنه في عهد الحماية وأثناء المقاومة إلى جانب عبد الكريم الخطابي, لعب سوق ثلاثاء أكني كما لعبت أسواق مثيلة بالريف مصدر ومركز تبادل الأخبار والأسرار بين المجاهدين عن طريق النساء المتسوقات, وذلك نظرا لمنع الرجال من التجمعات من طرف المستعمر.

رغم وقوف سيرورة سوق ثلاثاء أكني, فإن السور يبقى تراثا معماريا شاهدا على هذه المؤسسة الاجتماعية النسائية, مُبينا بذالك مساحته الضيقة مقارنة بالأسواق الرجالية الأخرى, وموقعه الاستراتيجي المحكم.

و على العموم يفتخر سكان منطقة الريف رجالا ونساء بالأسواق الأسبوعية النسائية الأربعة (اكني، اسويقن، ايت قمرة، اثنين أزغار) التي تشكل بالنسبة للمنطقة ذاكرة وموروثا ثقافيا يتعين تثمينه٬ خاصة في ظل ما كان لها من مساهمة متميزة في صون المعالم الأصيلة لهذه الربوع من الطمس إبان الاستعمار الإسباني

أسماء النية.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Fermer

Adblock détecté

S'il vous plaît envisager de nous soutenir en désactivant votre bloqueur de publicité