وطنية

الذكرى 108 لرحيل المجاهد والمقاوم الناظوري الكبير محمد أمزيان

تحل بنا اليوم الذكرى 108 لرحيل المجاهد المغربي الشريف محمد أمزيان، ولنتعرف على جهاد الرجل، يجب الإشارة إلى أهم فترات تاريخنا الحديث والمعاصر، فترة شهد فيها العالم أبشع صور التكالب الاستعماري لنهب واستنزاف موارد الشعوب الضعيفة والمغلوبة على أمرها، ولما كان الوطن العربي قد شغل الجزء الشمالي للقارة الإفريقية بأكمله، إضافة إلى منطقة الشمال الغربي لقارة آسيا، لذا فقد عُد من أهم المناطق استراتيجية في العالم، كما ظل مطمعاً للغزاة والمغامرين على مر العصور، حتى إذا ما أتي العصر الحديث اندفعت موجات الاستعمار من القارة الأوروبية صوب أقرب بلاد العرب إليها بمنطقة شمال إفريقيا، فتم لهم احتلال الجزائر عام 1830م، وفرضوا الحماية على تونس عام 1881م، ثم على المغرب عام 1912م.
لن نتوسع في موضوع الغزو الاستعماري للعالم العربي، ولا للدور الكبير الذي قام به الوطنيين للتصدي لهذا الغزو، مُكتفين بالإشارة إلى دور المُجاهد المغربي الشريف سيدي محمد أمزيان، الذي قاد حركة المقاومة في شمال المغرب أبان الغزو الأسباني للمنطقة، والذي مثلت مُقاومته البذرة التي أثمرت؛ بميلاد مُجاهدين آخرين حملوا لواء المقاومة خلفاً له، خاصة مع سعيه الدءوب لجمع شتات القبائل المغربية وتوحيد كلمتها.
كان أول ما قام به المُجاهدين المغاربة خلال الأعوام الأولى من القرن العشرين هو التصدي للثائر الجيلالي الزرهوني المُسمى (بو حمارة)، الذي استغل حالة الفوضى في أواخر عهد مولاي الحسن الأول، وادعى أنه (المولى محمد) شقيق المولى عبد العزيز، ابن مولاي الحسن، وأعلن الثورة على شقيقه لأنه يخدم مصالح الاستعمار، فنجح في خداع الأهالي مُستغلاً الجهل الذي كان يُخيم على القبائل آنذاك، واستطاع إيهامهم بأنه ولي من أولياء الله، فالتفت حوله بعض القبائل، ليتقدم بهم مُهاجماً مدينة تازة، تمهيداً لاحتلال فاس نفسها، وتنصيب نفسه سلطاناً على المغرب، ودارت بينه وبين الجيش السلطاني بقيادة مولاي عبد العزيز عدة معارك تكبد خلالها الجانبان خسائر فادحه في الأموال والأرواح.
لم تكن دعاية بو حمارة لتنطلي على جميع القبائل، لذا فقد برز له الشريف محمد أمزيان مُحارباً وفاضحاً أمره بين القبائل، الأمر الذي شاركه وحذا حذوه فيه مُجاهدين آخرين أمثال سيدي (عبد الكريم الخطابي) والفقيه محمد السيد حدو العزوزي من قبيلة بنى ورياغل، فعملوا على فضح مُخطط بو حماره، وأنه ربيب الاستعمار الذي يمُده بالمال ليثور على العرش، فيسهل للغزاة الاستيلاء على المغرب. وعندما علم بو حمارة بما يقوم به المُجاهدين، دفع بحملة عسكرية لاحتلال الريف، ودارت معركة كبيرة أستطاع خلالها الريفيون استدراج جيش بو حمارة إلى داخل الريف وانقضوا عليه؛ فلم ينج من جيشه إلا قائده وقليل من الرجال؛ عقب تلك الهزيمة انكشف أمر بو حمارة وانقلبت عليه معظم القبائل، فتنقل متخفياً من قبيلة إلى أخرى، حتى وصل إلى طنجة تاركاً ثروته وممتلكاته، إلا أن أمرة افتضح وقبض عليه وسيق إلى السلطان المولى عبد الحفيظ في فاس، فأمر بقتله عام 1908م.
وفي عام 1909م دارت معركة كبيرة بين مُجاهدي قبيلة قلعية بقيادة سيدي محمد أمزيان وبين الجيش الأسباني الذي كان يُراقب منجم الحديد الموجود بأزغنغان، والذي كان قد اشتراه الأسبان من بو حمارة إبان وجوده في تلك المنطقة؛ وأسفرت المعركة عن إتلاف الأسبان لخط السكة الحديدية الذي كان يربط المنجم بمليلية، وإنزالهم لجيش كبير قبالة شواطئ قبيلة قلعية، قام بمهاجمة القبيلة لاكتساحها هى وباقي قبائل الريف، فتصدى له سيدي محمد أمزيان في منطقة (الديوانية) وخسر الأسبان ما يقرب من 3000 جندي ما بين جريح وقتيل.
أدى هجوم الأسبان الغادر على قبيلة قلعية إلى انتفاض قبائل الريف لنجدتها، فرابطت القبائل انتظاراً لخروج الأسبان من تحصيناتهم لأكثر من شهر، فلم يخرج الأسبان، فتقرر تنظيم القبائل لهذا العمل بأن تخصص كل قبيلة عدد من رجالها للرباط الدائم بسلاحهم وعتادهم في مواجهة العدو، وأستحدث المُجاهدون وسيلة سريعة لإعلام القبائل بأي هجوم مفاجئ للإسبان، بأن يقوم أول من يشعر بأي تحرك للعدو بإشعال النار كعلامة على ذلك، فيقوم كل من يرى تلك النار بدوره بإشعال مثلها، فكانت تلك الوسيلة أسرع الطرق لتجميع القبائل للتصدي لأي هجوم من الأسبان.
إضافة لقتاله الأسبان حرص سيدي محمد أمزيان على الاجتماع بالقبائل مُلقياً عليهم دروساً في باب الجهاد، وساعده في ذلك المُجاهد محمد السيد حـدو العزوزي، وظل على هذا الحال مدة خمس سنوات، كبد خلالها الأسبان أفدح الخسائر في الأرواح والأموال، حتى أستشهد على صهوة جواده في معركة الحمام عام 1912م، فحمل أعداؤه جثمانه إلى مليلية ليراه الجنود الأسبان ويطمئنوا بأن الرجل الذي خاض ضدهم أكثر من مئة معركة قد رحل. وبعد توسط بعض من لهم اتصال بالأسبان، سُلم لهم جثمانه ودفن بزاويته بالريف، وكان رحمه الله قد أوصى بأن لا يُبنى له ضريح، لكن عائلته ومع إلحاح الأهالي، بنت له ضريحاً، أصبح فيما بعد مزاراً يتوافد عليه الناس.
بعد وفاة سيدي محمد أمزيان تولى المُجاهد محمد السيد حدو العزوزي الجهاد لثلاثة أعوام أرهق خلالها الأسبان بهجماته العسكرية الناجحة، حتى أغرى الأسبان أحد عملائهم، فقتله بطلقة غادرة أثناء خروجه لدعوة الناس للجهاد. ظن الأسبان أن تخلصهم من الرجل سوف يوقف حركة الجهاد في الريف، إلا أن الأمر كان على عكس ما يظنون، فقد زاد مقتله إصرار المُجاهدين على الجهاد في سبيل الله.
أما المُجاهد سيدي عبد الكريم الخطابي فبعد أن فرغ من أمر بو حمارة، وعقب إعلان فرنسا الحماية على المغرب، ومُهاجمة الأسبان للريف ومنطقة جبالة واستيلائهم على تطوان، رأى سيدي عبد الكريم أن الخطر قد أحدق بالمغرب عامة وبالريف بصفة خاصة، ففكر فيما يجب عمله للدفاع عن الوطن؟ في هذا الوقت كانت الحكومة الأسبانية تبحث بواسطة مُمثلها الجنرال سلفستري (Manuel Fernández Silvestre) عن بعض العملاء من المغاربة لاستخدامهم في تنفيذ مُخطتها لاحتلال الريف، وبعد تفكير قرر عبد الكريم أن يتقرب إلى الأسبان قبل غيره، مُتحيناً الفرصة للانقضاض عليهم من حيث لا يحتسبون، فيكون بذلك قد أضاع الفرصة على الخونة الحقيقيين من أن يُلحقوا الأذى ببلاده إن هم تعاونوا مع الأسبان.
تقدم سيدي عبد الكريم الخطابي إلى الأسبان ليلعب معهم هذا الدور؛ فنجح في أن يُعين ابنه الأكبر محمد مُدرساً في إحدى المدارس بمليلية، كما عُين شقيقه سيدي عبد السلام الخطابي كاتباً مع قائد جزيرة النكور، أما ابنه الأصغر أمحمد فأرسله إلى إسبانيا لدراسة هندسة التعدين والوقوف على النهضة العلمية بإسبانيا في هذا المجال، خاصة وأن تلك الفترة كانت قد شهدت تنافساً كبيراً بين كل من الألمان والفرنسيين والأسبان للاستفادة من الثروات المعدنية بمنطقة الريف.
حرص عبد الكريم على تنبيه ولدية وشقيقه بضرورة الاشتغال بالسياسة التي هي مقصدهم الحقيقي، فاستطاع بتلك الوسيلة أن يقف على ما يُحاك للمغرب في الخفاء، وأحاط بنوايا إسبانيا لاحتلال الريف ومنطقة جبالة. ظل عبد الكريم ينتهج تلك السياسة حتى هاجمت إسبانيا الريف، ووصلت إلى قبيلة (تمسمان) و(بني توزين) المُجاورتين لقبيلة بني ورياغل؛ عند هذا الحد أيقن عبد الكريم أن الوقت قد حان للعمل الحاسم فاستدعى ولديه وشقيقه، وجرد سيفه ولسانه للكفاح، فصار يدعو الناس للجهاد ومُحاربة إسبانيا، وعزموا جميعاً على مُقاومة الاستعمار.
واصل عبد الكريم الخطابي جهاده حتى لقي ربه بطريقة لا تختلف عن تلك التي قضى بها الشريف محمد أمزيان؛ فكانت آخر وصاياه قبل أن يلقى ربه هي: “لاتجعلوا جهادكم من أجل قبيلتكم وفقط، ولا من أجل الريف وفقط، ولكن حاربوا لتستردوا كل شبر اغتصبه الأعداء من أرض الوطن، وجاهدوا واستشهدوا حتى تعود الحرية لأهلها”. تلك الوصية التي عمل بها ابنه محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي لم يكن إلا خير خلف لخير سلف، فقاد حملة مقاومة استطاع من خلالها إنزال الهزائم تترا على جيش الغزو الأسباني، وكانت موقعة (أنوال) عام 1921م خير شاهد على ذلك؛ فلما لم يجد المستعمر الأسباني بدً للقضاء على المقاومة المغربية إلا التعاون مع الفرنسيين ألد منافسيه في المنطقة، لذا فقد اتفق كلا المستعمرين على القضاء على مُجاهدنا محمد بن عبد الكريم الخطابي، ودار ما دار من معارك تضيق بذكرها الصفحات، حتى كان ما كان من استنفاد المُجاهدين لكل مقومات المقاومة، وفي محاولة من الخطابي لصون حياة من تبقي من أهل الريف، آملاً في أن يُخرج الله من أصلابهم من يحمل السلاح ويرث الجهاد زوداً عن حياض بلاده، لذا كان الاستسلام المشروط بصيانة الأرواح ووقف قصف الريف وإبادة الأهالي، هو الخيار الصائب.
وكان ما أراد الخطابي، ونفي لأكثر من عقدين من الزمان غاب خلالها جسداً عن أرض بلاده، إلا أن حب الوطن والحنين إليه لم يكن ليغب عنه طرفة عين؛ فلما قضى الله أمراً كان مفعولا، وكُتب للخطابي مغادرة منفاه إلى أرض الكنانة -الحضن الدافئ والموئل الحصين- جرد السيف والقلم لمواصلة الكفاح، وعمل على إعداد المغاربة وتوعيتهم، وتواصل مع الرؤساء والملوك العرب، فدعموه ونصروه وقدموا له العون؛ فتمكن من إلحاق العديد من المغاربة بالكليات العسكرية في القاهرة وبغداد ودمشق، وتواصل مع المغاربة أهالي ومسئولين ووزراء، ودعاهم إلى التكاتف وتوحيد الصف والكلمة لمواجهة الاستعمار وأعوانه، وظل على هذا حتى كتب الله للمغاربة الحصول على الاستقلال.
وبذا فقد كانت مقاومة مُجاهدنا الشريف أمزيان البذرة التي رعاها المغاربة حتى أثمرت استقلالاً وحرية، الأمر الذي بدا جلياً فيما كتبه المُجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي في مذكراته عن الشريف أمزيان وعن تلميذه المُجاهد (عمر أقلوش) فقد ذكره الخطابي بالـ الشهيد سيدي محمد أمزيان، وأثنى عليه وعلى جهاده وجهاد قبيلة قلعية وتتبع دورها الجهادي حتى بعد استشهاد الشريف أمزيان.
وختاماً ندعو الله أن ينفعنا بما قام به شهدائنا الأبرار، وأن يجعل عملهم سنة يهتدي بها شبابنا، حتى يصلوا ببلادهم إلى بر الأمان، ناعمين بالأمن والحرية فيما هو آت.
دكتور/ حسن البدوي القاهرة

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Fermer

Adblock détecté

S'il vous plaît envisager de nous soutenir en désactivant votre bloqueur de publicité