وطنية

لماذا تتعرّض النّهضة لنيران كثيفة من الانقلابيّين الجدّد ؟!

ميديا بلوس-تونس- عندما أعلنت الثّورة التونسيّة ساعة الصفر “غير ساعة صفر حفترهم” حينها يذكر الجميع أنّ بن علي ومن معه وحتى برهان لما استضافته الجزيرة الكلّ يشير إلى مؤامرة تقوم بها النّهضة، الكلّ يتحدّث عن خطورة الفراغ الذي سيتركه التجمّع وأنّ انهيار نظام بن علي يساوي صعود الإسلاميّين، روّج لذلك النّظام وأنصاره في الداخل والخارج.
الكلّ يذكر أيضا أنّ المنظومة المتهالكة عادت بشكل واضح واحتلت أو اقتسمت المنصّات الإعلاميّة مع اليسار الثقافي في نسخته المتطرّفة، ومن ثمّ خفت استهداف الثّورة وانشغل ثنائي الحلف في استهداف حركة النّهضة، ولتنفيذ تلك المهمّة عوّلت منابر عبد الوهّاب عبد الله على جيشها اليساري الذي يغلب عليه طعم الوطد والذي سبق واقتطع له بن علي مساحات إعلاميّة ثقافيّة إجتماعيّة هائلة بحكم الخدمات الغير جليلة التي قدّمها لمنظومة القهر.
الكلّ يعلم أنّ منظومة القمع هاتفت رئيس الأركان رشيد عمّار لتحذّره من النّهضة وتطالبه بتحريك الجيش لقطع الطريق على الصناديق والحيلولة دون وصول النّهضة إلى السلطة، وأنّ تلك المحاولات تكرّرت بكثافة، ولمّا لم تجدِ واتضح أنّ الثكنات التونسيّة نأت بنفسها عن جرائم الثكنات العربيّة وراهنت على الإنسان التونسي لمّا راهنت أغلب ثكنات العرب المجرمة على سحق الإنسان العربي.
الكلّ يدرك أنّ بقايا التجمّع وبقايا النّقابيّين وبقايا اليسار وبقايا الانتهازيّين ومراكز المال والنّفوذ تجمّعوا وأسّسوا كيانهم الحزبي على شرط إسقاط النّهضة، فكان النّداء الذي صبّوا فيه مقدرات ماليّة رهيبة واجتمعت فيها مشارب سياسيّة لو دفعنا مال الأرض ما ألّفنا بين قلوبها.
الكلّ يدرك أنّ جبهة إنقاذ تونس المستنسخة من جبهة إنقاذ مصر، شيّدت فكرتها وبنت أسهمها على اجتثاث النّهضة، وهي تدرك أنّ جبهة مصر أسقطت الإخوان فسقطت معها الثّورة وانتهت معها التجربة وعادت مصر إلى العسكريّة بعد أن كانت شبه عسكريّة. ثمّ إنّهم يدركون أنّ تمرّد نبتة إماراتيّة أسهمت في الانقلاب على الشرعيّة بقيادة الإخوان ثمّ قبضت ثمنها وانصرفت، رغم ذلك أسّسوا تمرّد تونس بإشراف من منظومة بن علي ووطدها وبعض الجيوب الأخرى وكانوا يدركون أنّ سقوط النّهضة كما سقوط الإخوان ينهي التجربة ويقصف الثّورة .
الكلّ يدرك أنّ المنظومة ووطدها قادا اعتصام الأرز لإسقاط النّهضة ومن ثمّ لنسف تجربة الانتقال الديمقراطي، وأنّ النّهضة قادت الترويكا ومكوّن الثّورة لحماية الانتقال الديمقراطي وأنّ المعركة برمّتها دارت لحساب رهانين، اعتصام باردو لحصار التأسيسي حتى إسقاطها واستدراج الثّورة لاشتباك قاتل أمام المجلس، ستستثمره الثّورة المضادّة بحكم عتادها المالي والإعلامي ونفوذها في الداخل والخارج، فكان أن اختارت الثّورة حركة رمزيّة ذكيّة، حين أنجزت تحرّكاتها الكبرى في ساحة القصبة التي لعبت الأدوار المهمّة في إحباط مؤامرات ما بعد الثّورة بقليل.
الكلّ يدرك أنّ حكومة تشكّلت وفشلت في ساعاتها الأولى عقب انتخابات 2014، وأنّ الجبهة الشعبيّة وبعض مكوّنات الاستئصال الأخرى اشترطت على السبسي عدم إشراك النّهضة في السلطة وطالبته بوثيقة مكتوبة يتعهّد فيها بجملة من الإجراءات يتّخذها ضدّ النّهضة حال تشكيل الحكومة المشتركة، لكن الحكومة فشلت لأنّ التحنيط السّياسي أحد أطرافها، ولأنّ ثعلب النداء والشيخ المخضرم يدرك جيدا أنّ من يقترحون عليه الشركة هم أنفسهم من ناموا ليلة 14 جانفي في حضن بن علي، ثمّ زاحموا الثّوار واضطرّوهم إلى الأرصفة وتصدّروا ليلة 14 جانفي أصوات الثّورة، ثمّ تصّدروا لأشهر مسيرتها ورفعوا شعاراتها قبل أن يغادروا إلى زريبة محمّد بن زايد.
الكلّ يدرك أنّ جميع المكوّنات من غير ائتلاف الكرامة تصدّوا إلى الأصل الدستوري الصّريح، ورفضوا رئيس حكومة من الجواب الفائز في الانتخابات، ثمّ رفضوا النّسخة المعدّلة والتي تخوّل للحزب الأوّل اختيار شخصيّة مستقلّة، ثمّ ذهبوا إلى المخرج الترقيعي حين أخرجوا الأمر برمّته من الصّريح الدستوري وأقحموه في المخرج الدستوري.
ثمّ وأخيرا وليس آخرا، الكلّ يدرك بل ويعايش كيف أنّ القوى التي تنادي هذه الأيام بالانقلاب على التجربة ونسفها من قرارها، كيف تتخذ من النّهضة خصمها الأوّل وتركّز هجماتها عليها وتعتبر الإطاحة بالتجربة تمرّ عبر الإطاحة بالنّهضة، وكيف يقود الهجمة كلّ خصوم النّهضة الموسومين المعروفين المختصّين في هرسلتها.. يدكّون النّهضة حتى ترفع دعمها عن التجربة فتسقط، يفعلون ذلك رغم أنّ الرئاسة والخارجيّة والدّفاع عند قيس سعيّد وبقيّة الوزارات عند إلياس الفخّفاخ!!! لا غرابة فقد قلنا مرارا وسنقول تكرارا، أنّ النّهضة لا تحكم دولة القانون والمؤسّسات.. النّهضة تنحني لتصعد عليها دولة القانون والمؤسّسات فتستقيم على برّ النّجاة، النّهضة تسند وتحمي وترافق دولة المؤسّسات إلى شاطئ الأمان.. دولة المؤسّسات تتكئ على النّهضة لتعبر كلّ هذه الأوحال وتتجنّب كلّ تلك الألغام.
الكلّ يدرك القصّة من أوّلها.. منذ بيان 6 جوان 1981 لكنّه العناد والإقصاء والإصرار على عدم التحاكم إلى الإنجاز والعمل والتضحيات والمراكمة والمؤسّسات … الكلّ كان ينادي بالديمقراطيّة لكنّه كان يخشى ساعة صفرها.. الكلّ بدأ بمهاجمة نهضة 2011 منذ 1981! صحيح أقليّتهم كانت تهاجم لأنّها تكره صلاة الجماعة والخمار وصيام التطوّع وحلقات الذّكر وتزعجها الأقدام المتسرّبة فجرا إلى المساجد تحت جنح ظلام بورقيبة وبن علي، لكنّهم وفي أغلبهم كانوا يكرهون تلك اللحظة التي لا بد أن تأتي! لحظة تنقشع الدكتاتوريّة وتبقى الأجسام الحزبيّة وجها لوجه مع الصندوق!!! وما سيقوله الصندوق!!! لحظة رهيبة تلك التي تتطاير فيها صحفهم إثر إغلاق المقرّات!!! لا مفرّ! لا بروباغندا! لا سفسطة! لا بلا بلا بلا.. كان ذلك هو الكابوس! كيف سيواجهون هذا المارد المتكاتف كالبنيان المرصوص، كيف سيواجهون الكيان الذي شارك بعضهم مع بن علي في خنقه حتى القتل، ثمّ منشروه وحرقوه وأخذوا رماده فوزّعوه على خمسين دولة ونثروا بعضه في المقابر وفي القرى النّائية وعلى رؤوس الجبال.. ثمّ كان عاما بعد عام، قام بين الشعب والطاغية عراك.. ثمّ ها هو الكيان الذي أعدموه ونثروه ينسلّ من كلّ مكان! يتجمّع! يضمّد بعضه، يلملم أشلاءه، إنّه يتشكّل من جديد! بدمه القديم بأطماره.. بجراحاته وعذاباته بقصصه التي يشيب لها الولدان.. ها هي الأقدار تنفخ الروح في هذا الذي كان هباءا منثورا!! إنّه يعود إلى الحياة! لا بل إنّه يعود إلى قيادة الحياة!!!!

نصرالدّين السويلمي

اظهر المزيد

Tags

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Fermer

Adblock détecté

S'il vous plaît envisager de nous soutenir en désactivant votre bloqueur de publicité