وطنية

أكلت يوم أكل الثّور الأبيض..

إذا استثنينا أمراض الحقد والكراهية والغباء المدّقع، فإنّه ومن غير ذلك توجد فئة كثرت أو قلّت من الشّعب التونسي ومن قواه الحيّة ما زالت لا تعي معنى الاتعاظ، وربّما لا تؤمن به أصلا ولا تستفيد من التجارب وإن كانت ملاصقة قريبة ومعاشة، يحدث هذا من الأمس ولا يقتصر على اليوم، منذ خرجت قناة 7 تبشّر بالديمقراطيّة والرفاهيّة والخير الذي سيعمّ البلاد بعد أن تتخلّص من الشرذمة المارقة، واستعذب البعض ذلك خبثا وانطلت على البعض نتيجة طفرة الغباء الشائعة. التحق ما يناهز ثلاثون ألفا بالسجون وتمّ محاصرة عشرات الآلاف في حركتهم ورزقهم وأبسط حقوقهم، كما رحلت قوافل إلى المقابر وقوافل أخرى إلى المهاجر.. أباد بن علي ما أسماها بالشرذمة المارقة، وترقّب الأغبياء أن تأتي الديمقراطيّة فوق أشلاء الإسلاميّين .. ترقّبوا طويلا ثمّ كثيرا ثمّ عميقا! وفي الأخير لم تأت الديمقراطيّة والحرّيّة والحقوق المدنيّة السّياسيّة، بل جاءت موجة جديدة من موجات القمع، وعضّ بعض الغافلين الأنامل بينما انخرط البعض في مراقبة الإسلاميّين الذين نجوا من المحرقة، يتحيّنون شبهة ترحل بهم إلى ما وراء الشمس.
ذلك عن الأمر، أمّا اليوم فقد أطلق بعضهم دعوة تطالب بخلع رئيس المجلس التشريعي، انطلقت خافتة ولمّا اكتشفت أنّ البعض يستعذبها ويغمز لها ويؤشّر ويشير، بدأت تتوسّع، وصلنا إلى لائحة تدور، أشرف عليها بعض النّواب، وتولّت كبرها الطائفة العبيريّة، وسال لها لعاب بعض أدعياء الثّورة! كانت الدعوة تتوسّع والأدعياء ينظرون بعيدا كأنّهم لا يرون ولا يسمعون بينما قلوبهم معلّقة بها، يودّون لو أنّها نفذت إلى الغنّوشي فأسقطته بقوّة البطش وأسقطت معه الدستور والقانون والتجربة برمّتها.
ولمّا استعذبت قوى الخراب اللّعبة وتداعت للعبث بكرسي رئيس المجلس التشريعي، ومضت بعيدا في هرسلة الغنّوشي، ولاحظت تغنّج الكثير من القوى وممارسة البعض لتمنّع الغواني، مدّت مخالبها إلى الأبعد وكشّرت أكثر عن أنيابها، وبدل لمجة الغنّوشي حدثت نفسها بوجبة المجلس ككلّ ثمّ كلّ الحكومة.. ثمّ برمت عينيها نحو كلّ التجربة!!! حينها بدأت تدبّ الحياة في نخوة الدسترة، وسمعنا أشياء عن الديمقراطيّة، ورأينا بعض الذين كانوا ينظرون هناك بعيدا في الأفق تماما كما نابليون وهرقل وكسرى، لا يعبؤون بما يحدث لرئيس المجلس وربّما شاركوا وربّما حرّضوا، فجأة انتبهوا من سمائهم إلى أمامهم.. وما لبثت أن دبّت الحياة في المؤسّسات والقانون والشرعيّة، وأصبحت نفس الدعوات التي خرجت من نفس الجهة تطالب بالانقلاب على رئيس المجلس، أصبحت مدانة ومجرمة، بعد أن كانت تعد ضمن التجاذبات التي لا تعني الدولة واعتبروها ضمن الحالات المعزولة التي تخصّ الغنوشي لا غير!!!
نفس العقليّة التي تؤمن بالديمقراطيّة الفرنسيّة ولا تؤمن بالديمقراطيّة السوريّة، هي نفسها التي تؤمن بالثّورة على البشير وتجرّم الثّورة على القذّافي، هي نفسها التي تتمعّش من الديمقراطيّة وتعمل لصالح الديكتاتوريّة، هي نفسها التي غمزت حين تتابعت الدعوات لإسقاط رئيس المجلس لكنّها شمّرت حين أشارت إليها الأصابع تحرّض على إسقاطها… متى تعودون إلى كلمة سواء.. متى تتوبون من ممارسة الانتهازيّة وتعتنقون الوطنيّة.. متى؟

نصرالدّين السويلمي

اظهر المزيد

Tags

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Fermer

Adblock détecté

S'il vous plaît envisager de nous soutenir en désactivant votre bloqueur de publicité